‏… wonder شريط ميلادي عن فتى يحتمي خلف قناع هالووين

بقلم جوزفين حبشي

مع بداية شهر كانون الاول، ديسمبر، نستعرض معا مجموعة افلام انسانية واحتفالية، تلائم موسم الاعياد. واول هذه الافلام شريط wonder من انتاج سنة ٢٠١٧.
«أعرف أنني لن صبح أبداً ولداً عاديا مثل سائر الأولاد. الناس يخافون من لمسي لأنهم يظنون أنهم سيصابون بالعدوى»… «عيدي المفضل ليس الميلاد بل هالووين، لأنه اليوم الوحيد الذي أستطيع ان أسير فيه مرفوع الرأس»… بهذه الجمل المؤثرة يبدأ فيلم Wonder، الدراما العائلية المغلفة بكثير من دفء الإنسانية ورقة الحنان.
الفيلم يروي قصة فتى مصاب بمتلازمة تريتشر، وهي حالة وراثية تؤدي إلى اضطراب في نمو وتطور العظام والعضلات في الوجه. وتتراوح الأعراض بين تشوّهات بسيطة وتشوهات شديدة، ويمكن أن تتضمن شكلاً غير طبيعي للأذن، عظام وجه غير نامية، عينان تتوجهان نحو الأسفل، صغرًا في حجم الذقن والفك، حنكاً مشقوقاً، رموشاً متفرقة، شقاً في الجفن السفلي، وفقداناً للسمع بسبب عيوب في الأذن الوسطى.
بطل شريطنا أوغي بولمان (جاكوب ترامبلي) يبلغ العاشرة من عمره وهو مصاب بهذا التشوّه الخلقي منذ لحظة ولادته، وقد خضع في طفولته لعدد كبير من العمليات الجراحية والتجميلية التي لم تستطع ان تحميه يوما من نظرات الناس الخائفة والمشمئزة التي تعتبره مسخا صغيرا.
بفضل عائلته الداعمة والمحبة، أمه إيزابيل (جوليا روبرتس) التي حوّلت له البيت مدرسة ووالده نايت (أوين ويلسون) الذي اعتاد إضحاكه وشقيقته المراهقة فيا (إيزابيلا فيدوفيك)، أوغي سيقرر الالتحاق بمدرسة خارجية للمرة الأولى في حياته، وسيواجه العالم للمرة الأولى أيضا من دون قناع رائد الفضاء الذي اعتاد ارتداءه لإخفاء وجهه…
لا، ليطمئن الجميع، فالشريط لن يحطم قلوبكم ولن يوتركم ولن يزعجكم. على العكس فالصغير أوغي سيتسلّح بالشجاعة والحب والطرافة، وسيحاول أن يثبت لزملائه الجدد أنه فتى عادي مثلهم، ليس مختلفا كما يظنون، وانه يتمتع بالجمال الداخلي الذي سينجح في تخطي عراقيل التنمير التي سيتعرض لها في المدرسة، وفي كسب محبة جميع التلاميذ والأساتذة والأهالي مع انتهاء العام الدراسي.
من خلال رحلته هذه، نحن سنغوص في أجواء قد نظنها للوهلة الأولى كليشيه ومكررة حول الجمال الداخلي وقسوة الأولاد فيما بينهم، ولكنها في الحقيقة عابقة بالنوايا الطيبة، فيها كثير من الحنان الذي لا يؤذي ولا يثير الشفقة، فالشريط يعالج موضوعا إنسانيا حساسا بكثير من الحساسية من دون ان يبالغ في الواقعية الجارحة التي قد نواجهها في عالم الأولاد المتنمرين الذين يؤذون رفاقهم الأضعف منهم او المختلفين عنهم بقسوة.
‏Wonder هو من دون أدنى شك الشريط المناسب لموسم عيد الميلاد، بسحره وطرافته ورقته. كما أنه ملهم بكل ما يزيّنه من مجوهرات إنسانية ستجعلنا نستسخف توقفنا عند شكلنا الخارجي وشوائبنا الصغيرة وتمدنا بالشجاعة للمواجهة وعدم الاختباء وراء الأقنعة.
الفيلم عن سيناريو واخراج لستيفن شبوسكي الذي سبق أن أثر بنا كثيرا عندما قام بإخراج شريط The Perks of Being a Wallflower المقتبس عن رواية كتبها بنفسه، عرفت بدورها شهرة كبيرة وأعيد طبعها 20 مرة وبيع منها أكثر من مليون نسخة وترجمت الى 7 لغات وانتشرت في كل من أميركا واوروبا وآسيا.
ومن خلال روايته وشريطه الأولين عالج شبوسكي الموضوعات نفسها تقريبا من خلال قصة شارلي المراهق الخجول الذي سيصدم بانتحار صديقه الحميم ويجد صعوبة في التأقلم في مدرسته الجديدة وزملائه الجدد والفتاة التي سيقع في حبها. وكان طبيعيا ان يتأثر شبوسكي برواية Wonder التي صدرت عام 2012 وحققت بدورها أعلى نسبة مبيعات (بيع منها 7 ملايين نسخة وترجمت ل47 لغة) وهي من تأليف الكاتبة ر.ج بالاسيو، وهو الاسم الوهمي لراكيل جاراميلو المديرة الفنية لكتب الأطفال في دار النشر الأميركية Workman Publishing التي استغرقت كتابتها للرواية 20 عاما، وقد استوحتها من فتاة صغيرة مصابة بتلازمة تريتشر كانت قد التقتها وتأثرت بها.
هذه الرواية التي حققت نجاحا كبيرا مقسّمة الى ستة أقسام، وكل قسم مخصص لشخصية تروي الأحداث من وجهة نظرها. الشخصيات هي الفتى أوغي أولا وشقيقته فيا التي عانت من إهمال أمها لها بسبب انشغالها بشقيقها، وميرندا صديقة فيا وكل من جاك وسامر وجاستن أصدقاء أوغي الجدد في المدرسة. الفيلم بدوره يحترم هذا التقسيم، ويحترم الواقعية والبساطة اللتين كتبت بهما الرواية.
صحيح أن الفيلم قد لا يكون تحفة فنية وقد لا يحصل على ترشيح للأوسكار، ولكنه عابق بالشفافية والحب والشعر والنعومة، وعلى رغم أنه يدور في فلك أوغي، إلا أنه يرسم في الوقت عينه بورتريه عدة شخصيات ويجعلنا نتعاطف معهم جميعا، وخصوصا الشقيقة فيا التي تعشق شقيقها ولكنها تتحسّر على قلة اهتمام والدتها بها.
كما أنه يضخ كثير من المشاعر والانفعالات من خلال الأحداث والمواقف والشخصيات التي تعتبر من أهم مقوّمات نجاح هذا الشريط. هذه الشخصيات قدمتها مجموعة من أهم النجوم الكبار والصغار في عالم السينما، مثل «المرأة الجميلة» وصاحبة أجمل ابتسامة عريضة في هوليوود جوليا روبرتس التي تفاعلت بشكل مؤثر جدا في دور الأم المتفانية خصوصا أنها أم لثلاثة أولاد. تقول جوليا: «لقد قرأت الرواية مع أولادي عندما صدرت وعشقناها كلنا. لم أستطع أن أترك الكتاب قبل النهاية، وعندما علمت أنهم بصدد تحويله فيلما، اتصلت بالمنتجين ورجوتهم أن يسمحوا لي بالمشاركة فيه وأداء دور الأم، لأنها الطريقة الوحيدة والقوية لإرشاد الناس الى كيفية تصرفهم مع أشخاص يعانون الوضع نفسه».
بدوره الممثل أوين ويلسون تألق بطرافته وطيبته في دور الأب، ولكن ما أسعده جدا هو تقديمه دور زوج جوليا روبرتس التي يعتبرها أيقونة في عالم السينما. لقد قال إن أداء دور أمام جوليا روبرتس يشبه حصوله على شهادة من جامعة هارفرد.
ويبقى الممثل الكندي البريطاني الصغير جاكوب ترامبلي الذي أبدع في تأدية شخصية أوغي المشوّه الوجه وصاحب القلب المليء بالحب والتفاؤل. جاكوب ترامبلي الذي خضع لماكياج يومي لساعات طويلة طيلة أيام التصوير، ليس جديدا في عالم السينما فهو سبق أن أبهرنا عندما شارك في الفيلم الرائع Room من إخراج الإيرلندي ليني إبرهامسون والذي فازت عنه بري لارسون بجائزة أوسكار أفضل ممثلة. يومها قدم جاكوب ترامبلي دورا صعبا جدا على رغم سنواته السبع. دور صبي لا يعرف من العالم الخارجي سوى غرفة واحدة ولد وترعرع فيها بعدما اختطف رجل أمه وسجنها واغتصبها طوال سبعة أعوام. دور كان يستحق عليه جائزة أوسكار بعدما جعلنا نندهش ونتساءل من دون أن نتوقع إجابة، كيف استطاع ان يتفاعل بوعي كبير مع قصة قوية كRoom رغم صغر سنه.مجددا جاكوب ترامبلي بكاريزمته الكبيرة وسحره الأخاذ سيذهلنا بأدائه العفوي والبريء والمؤثر في Power، وسيجعلنا ندمع ونضحك ونستمتع بواحد من الأفلام الدافئة والمناسبة جدا للعائلة كلها خلال الموسم الميلادي.

شاهد أيضاً

ريكاردو كرم يقدّم تجربة جديدة هي اللقاءات عبر” النت”

توم باراك، الأمير تركي الفيصل، إبراهيم معلوف… بعض من الشخصيات التي استطاع العالم العربي التعرّف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *